الشيخ السبحاني
25
رسائل ومقالات
الدور . ومن سبر غور هذه الآيات وتدبّر فيها يقف على عظمة قوله سبحانه : « سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَ وَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ » « 1 » . فإذا كان التفكير هو جوهر الإسلام وأساسه وعليه أُقيم صَرْح الدين ، فمع الأسف الشديد انّ جماعة من المسلمين عطّلوا العقول عن التفكير في المعارف بذريعة انّ كلّ ما وصف اللَّه به نفسه في كتابه فتفسيره تلاوته والسكوت عليه . « 2 » أقول : كيف يكون تفسير ما وصف اللَّه به نفسه ، بتلاوته والسكوت عليه ، مع أنّ القرآن نزل للتدبّر في آياته من دون فرق بين آية وأُخرى ، يقول سبحانه : « كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ » « 3 » . والعجب انّ بعض هؤلاء راح يتفلسف في إثبات نظريته ، ويقول : « إنّما أُعطينا العقل لإقامة العبودية لا لإدراك الربوبية ، فمن شغل ما أُعطي لإقامة العبودية بإدراك الربوبية ، فاتته العبودية ولم يدرك الربوبية » . وقائل هذا الكلام يفسِّر العبودية بالقيام والقعود والإمساك والصيام التي هي من واجبات الأعضاء ، ولكنّنا نقول : إنّ العبودية تقوم على ركنين : ركن منه يرجع إلى فرائض الأعضاء وواجباتها ، وركن آخر يرجع إلى العقل واللب ، فتعطيل العقول عن معرفة المعبود بالمقدار الذي يستطيع الإنسان الوصول إليها ، تعطيل لإقامة العبودية أو لجزئها ، ولو اقتصر الإنسان في إقامة العبودية بالقيام والقعود
--> ( 1 ) . فُصّلت : 53 . ( 2 ) . الرسائل الكبرى ، لابن تيمية : 1 / 32 ، نقله عن سفيان بن عيينة . ( 3 ) . ص : 29 .